
فى حقيقة الأمر وبعد نشرى للمقالين السابقين شعرت بمشكلة كبيرة
فأنا عندما دخلت إلى هذا العالم المميز عالم الأقلام .... توقعت أن يكون متنفسا فكريا ًكبيراً
ولما طال مقامى به وجدت الغالبية الساحقة من المدونات تدور حول الخواطر والمواقف الشخصية ولا تتجاوز هذا
وقطعاً لكل مدون الحرية فيما يكتب لكن هذا يجعل التدوين أشبه بتلك المفكرة التى تضعها الفتيات فى حقيبة يدها ،
تدون خواطرها وتجمع التعليقات من صديقاتها
ولم يشذ عن هذا الخط إلا القليل فهناك البعض ممن يكتبون سياسة محضة ومواضيع إجتماعية مثل مدون(عنبر العقلاء) ومدونة(نوارة نجم)
و (الراقص مع الذئاب) وأحيانا (آبى) و (وبت خيخة) لكن كما قلت لا زالت الغالبية الساحقة ترفل فى ثوب الخصوصية
من هذه المقدمة أود أن أتحدث عن أزمة لا زال يعانى منها مجتمعنا وهى:
الخوف من الخلاف واحيانا الفزع من الإختلاف
فكما يحدث فى مؤتمرات القمم العربية يخرج الزعماء بالبيان الثابت (هناك تطابق فى وجهات النظر)
ولم نرى مثقال ذرة من هذا التطابق
ومثله ما يحدث بقوة فى مجتمعنا من حالة الإحتقان الطائفى بين المسلمين والمسيحيين
فنرى شيخ الأزهر خرج علينا ببسمته المزيفة والبابا شنودة بوجهه المتجهم
ليتبادلان القبل المسرحية المبتذلة ويمارسون التخدير المنافق
وكأن كل شيء على ما يرام وليس هذا من الحقيقة فى شيء
فلا بد أن نعترف بوجود إحتقان كبير بين الاغلبية المسلمة والأقلية المسيحية
لكن ما هو السبب ؟؟!
السبب هو محو الخلاف الذى نتج عن الديكتاتورية المستبدة الذى يمارسها النظام منذ الإنقلاب العسكرى
الذى يسمونه زوراً(ثورة 23 يوليو) ولم يكن موجوداً قبلها
فأراد النظام أن ينام على سرير بارد فأصبح أى نقاش دينى أو إظهار للهوية ينظر له النظام على أنه نذير فتنة
وهذا هو الخطأ القاتل الذى زرع الحقد المتبادل والكراهية المبطنة بين قطبى الأمة
فما هى القضية أن يناقش المسلم أمور العقيدة شرط أن يكون على وعى بما يقول وأن يحيط علما بما يتناول
ومن هنا يحق للمسلم مناقشة أديان الآخر أياً كان هذا الآخر ..
لأن الإسلام يقوم فى جوهره على الدعوة إلى الإسلام وتقديم الخلاص للنفوس وإقامة الحجة على غير معتنقيه
دعوة بالحسنى
لكن وجدنا من يتلو آية من القرءان دون إكمالها مما يعطى معنى مغاير تماما ويخالف الحقيقة كل المخالفة وذلك فى قول الله تعالى :
(لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى)
ويقف من يتلو الآية عند هذا الحد كأنه يقول انظروا الإسلام يؤكد أنه لا فرق بين المسلم والمسيحى بل ولا بين الإسلام والمسيحية نفسها
وهذا كذب محض وإفتراء بيّن
فلو أكمل الآية لظهر إفترائه لأن الآية تتحدث عن المسيحين الذين إعتنقو الإسلام
والآن لنسمع الآيات كاملة :
(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(82)وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ(84)فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ(85)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(86) ".
هذا هو القرءان ياسادة يتحدث عن فئة أسلمت وآمنت بمحمد صلى الله عليه وسلم
وأنظروا للآية الأخيرة (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك أصحاب الجحيم)
فهل المسيحيون فى كل أقطار الأرض يؤمنون بمحمد وآيات القرءان؟؟ أترك الإجابة لكم !!
من هذا المنطلق ظهر النفاق الحوارى
ولعل البعض يظن هذا تعصباً منى ..
مطلقا ً
فأنا أنادى بحق المسيحى فى الإيمان بدينه والمسيحية تؤكد أن كل من لا يؤمن بصلب المسيح وقيامته فهو من أهل الجحيم
(إذا لم يكن المسيح قد صلب وقام إذا فباطل إيمانكم وباطلة كرازتنا) هكذا يؤكد بولس الرسول واضع الديانة المسيحى الحقيقى والذى يقدسه كل نصارى الأرض بإختلاف طوائفهم هذا نص الآية من الإنجيل
الأمر بسيط أنا غير مؤمن بغير الإسلام كما أن المسيحى غير مؤمن بغير المسيحية
فإذا دار الحوار بين اتباع الديانتين يكون بالحسنى وإحترام الآخر بلا سب ولا قذف
(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن) هكذا حدد القرءآن المنهج الحوارى بين الأديان وطرق الدعوة بالحسنى
لكن حالة التشنج من طرح أى حوار أو كلام فى هذا الأمر هو ما صنع غرف البالتوك التى صارت (بول توك) عفوا أغفروا قولى هذا
فإن من يدخل يرى حالة من الهياج العصبى فى الغرف المسيحية ترى وجهاً مختلفاً تماماً عما تراه فى الشارع والعمل والجيرة
سبٌ متواصل للنبى بأبشع الألفاظ وسب لزوجاته الطاهرات وسب للإسلام ووصف المسلمين فى مصر بأنهم أبناء العرب الغزاة
وأن النبى لم يكن له هم إلا النسوة
وتدمير كل الثوابت لا بالأدلة لكن بسيول من الشتائم سواء فى غرفة(عبد المسيح بسيط ) أو زكريا بطرس أوعشرات الغرف
لكن ما السبب ؟؟
السبب هو حجب النقاش البناء فمثلا نرى الأب (مرقص عزيز) وهو من أكبر رؤوس المسيحية فى مصر
ومعه الانبا(بيشوى) سكرتير البابا ،لا يتركان فرصة إلا وهاجما الدكتور زغلول النجار والدكتور محمد عمارة
ويطالبان بوقف مقالاتهم بجريدة الأهرام
لماذا ياسادة لأنهم يطعنون على المسيحية !!
هذا قول باطل فالرجلان لم يتفوها بشتم ولا سب مطلقا ً
وعندما يقولان أن الكتاب المقدس محرف.... هذا ليس سب ... هذه معتقدات تقوم على أدلة وبراهين
والرد يكون بدحض الأدلة وليس بمهاجمة من يقدمها
تماماً كما أن الكنيسة المصرية تُعلِمُ أبنائها قبل صلاة (أبانا الذى فى السماء) يعلمونهم أن النبى محمد ه ليس بنبى وأن الإسلام دين باطل
وهذا حقهم بل ولهم كل الحق فى الجهر به على أن يقدموا أدلتهم وبراهينهم على هذا
والرسول الكريم ناقش أهل الكتاب وحاورهم يهوداً كانوا أو نصارى
وسُوَرِ القرءآن لا تخلو من هذاالحوار ...... إقرأوا سورة البقرة ،فى جملتها تناقش عقائد اليهود وتاريخهم المعتم
إقرأوا سورة آل عمران .. تناقش المسيحية وعقائدها
فهل نلقى بقرآننا فى البحر حتى لا نُتهم بالتعصب ماذا تفعلون فى قول الله تعالى فى سورة آل عمران
(لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح إبن مريم) وقوله فى نفس السورة (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة )
هذه عقيدة الإسلام وليس هذا سباً ولا قدحاً فى أحد هذا إعلان براءة
نحن نقول أن من لم يؤمن بديننا إذاً فهو كافر به .... تلك قضية بديهية
سل أى يهودى أو مسيحى : هل أنت مؤمن بالإسلام ؟؟
سيقول لك لا ... قل له إذاً أنت كافر بدينى
بس كدة الموضوع بسيط خالص
وأنا كافر بكل دين غير الإسلام بل إن الكفر هو شرط الإيمان
كيف ذلك ؟
انظروا قول الله فى سورة البقرة (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد إستمسك بالعروة الوثقى)
فلا بد أن تكفر بالطاغوت .... الذى هو كل دين غير الإسلام ...ثم تؤمن بالله وحده
هكذا كفر ثم إيمان .... تخلية ثم تحلية .
بل وشهادة الإسلام الكبرى تبدأ بالنفى لكل دين وكل إله ، ثم تثبت وحدانية الله فقط
لا إله ... إلا الله
وعلى مثل هذا المنوال يجب أن يكون الحوار قائم على الإحترام والصدق
والإحترام أولا( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن) ومعروف أن النفى والإستثناء فى اللغة العربية (لا... إلا)
يفيد الحصر والقصر
أى لا يسمح الإسلام بمجادلة أهل العقائد الأخرى إلا بإحترامهم والإحسان فى الحوار والأدب هذا ديننا وتلك دعوتنا
...
وقد أوقفت إكمال الموضوع السابق إحتراماً لدعوة الصديق العزيز وليد الزهيرى الذى كان مقصده نبيلا تماماً
وهو عدم شخصنة الموضوع ... وله كل الحق فى هذا ، ولذلك وافقته رغم أنى لم أكن أنا من شخصن الأمر
لكن بعيدا عن موقف النبيل: وليد .. كان هناك آراء أخرى عجيبة مثل :
رأيت الكثيرين يعلقون بقولهم (لكم دينكم ولى دين)
نعم هذا صحيح أى أن الإسلام لا يجبر أحد على دخوله ، لكن هل يعنى هذا أن يداهن المسلم وينافق ؟!!
لماذا الدعوة للسكوت تحت دعوى (محدش له دعوة بحد )
هذا خطأ كبير ... بل التلاحم الفكرى على اساس الاحترام هو الأصل والخلاص من حالة الإحتقان
لماذا لم تقرأو الآية من أولها
ما اسم هذه السورة أصلا إنها سورة (الكافرون) (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون)
هل تفهمون ما أقصد أى أن الإسلام يقول أن كل دين غير الإسلام فهو كفر وباطل
لكن لمن يعتنقه كل الحرية فى هذا .
وللمسلم أيضاً كل الحرية فى إظهار الحق وإعلان الحقيقة
دعونا نكن صادقين مع أنفسنا وكلامى للمسلمين :
أليس الله يقول (فمن يبتغى غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه )
أى أن غير المسلم يهلك فى الجحيم .. أليس من النبل بل ومن الواجب إنقاذ كل إنسان من هذا الهلاك ؟!!!
فإن لم يقبل به نكون بريئون من ذنبه ونكون قد أقمنا عليه الحجة
هل غير المسلم إذا قابلنى يوم القيامة وسألنى لماذا لم تدعونى إلى دينك وتعرفنى بالحق ؟!!
هل عندما أقول له : فعلت ذلك إحترماً لمشاعرك .. هل سيقبل هذا القول
سيرد: أى إحترام هذا الذى تتحدث عنه وقد قدمتنى للجحيم !!
من هنا أنا تحدثت ومن هنا تكلمت فى مقارنة العقيدة ولهذا السبب وحده أنفقت خمس سنوات من عمرى وأنا أدرس الاديان والعقائد
فلماذا يتوقف تفكيرنا ولماذا يُراد للاقلام أن تقصف وللألسن أن تُخرس
نحن ندعو إلى الحق الذى نزعمه بالتى هى أحسن وبالاحترام والتقدير
أرجوكم أعطوا أنفسكم فرصة لممارسة حرية التفكير أولاً .. لتصلوا منها إلى حرية الحديث
...
تحياتى للجميع
...........................................................................................
بقلم
___________
نورالدين محمود





