كان يقف أمام الشجرة ..!
وحدها تلك الشجرة قال له حبيبه لاتقربها لاتأكل منها لاتذق ثمرتها
ووحدها تلك الشجرة كانت تغويه تناديه فى الليل تتسرب مع الأنفاس لصدره وتسرح مع الدماء بين عروقه
عشق الشجرة دون أن يشعر .. وصارت الجنة كلها مجرد دائرة مركزها تلك الشجرة
كل أشجار الفردوس أمست عنده دليل إليها وحراس على أبواب غصونها
هو لايعرف أى شجرة هى وما نوع أثمارها ربما حتى لم يفكر بروعة مذاقها .. أراه الآن وأنا على حاسوبى المحمول فى مقهاى الذى يضج بالحمقى والمغفلين وبعض الأنذال وقليل من الكرام أراه نعم أراك يا آدم وأنت تدور حولها كل صباح عندما توقظك عصافير الجنة وكل مساء بعدما تنام زوجتك فتتسلل من بين ذراعيها وتجلس القرفصاء أمام شجرتك العجيبة تتأمل أغصانها الشاهقات غير المتهدلات كبقية الشجر أراك وأنت تسرح بجذعها المستقيم بإنحناء والمنحنى بإستقامة تماماً كروحك التى تجمع الأضداد
أراك وأنت تحاورها : ما أنتِ ؟
تكلمى ؟
تكلمى أرجوكِ لماذا منعنى حبيبى عن ذوقك ولماذا أنت دون كل الشجر ؟
وأراها وهى لاتكترث لك أيها المسكين ولاتعبأ بأسئلتك الساذجة وتثق فى قرارة جذورها بأنك يوماً ستغشاها وبأنك لن تقاوم للأبد
أسمع هسيس وريقاتها وهن يتضاحكن فى الخفاء من طيبة آدم وضعفه تقول ورقة لأخرى : وماذا لو منعه حبيبه من أى شجرة أخرى ساعتها سيظن أنها فريدة عجيبة وستصبح شجرتنا مجرد شجرة ما أبأسك يا آدم المسكين ليس السر فى الشجر السر فى نفسك فى نفسك تكمن العثرة ..!
الليل يجول والصباح يدور وآدم لازال شارداً يحلم بالشجرة .
آدم ليس شرير وآدم ليس بريء أيضاً .. أراك يا آدم وأنت تخطو نحو الحفرة وتقرر بكل إرادتك أن تقع فى الحمى وأن تغشى الظلام
آدم لم يكن سكران ثم أفاق آدم لم يكن غافلاً ثم انتبه !!
بل بكل حزم قرر أن يخطيء بكل جد قرر أن يعصى واقترب .. وفعل
أرى خطواته نحو الشجرة لم تكن خطوات سريعة فرحة مسرورة بل كانت خطوات متئدة حزينة متألمة
لأنه يحب الحبيب ويكره أن يحزنه يكره بصدق وبإخلاص لاتشوبه شائبه، يريد أن يرضيه بكل جوارحه ويحب طاعته من سويداء نفسه ليس لأنه عبد مخلوق ولازالت أثار أصابع الرحمن على جسده بعد خلقه ليس لأنه عبد كرمه سيده ولازال الملائكة محنية رءوسهم حين السجدة لكن لأنه عاشق صادق يحب الحبيب ويكره له أن يحزن فى نفسه .
آدم أحب الحبيب وطاعته بصدق وأحب معصيته بصدق أيضاً
نحن كثيراً مانؤذى من نحب ونحن عاقلون ومدركون أننا نؤذيهم ونكره حزنهم ونحرق أنفسنا فداء للحظة ألم تلم بهم ونقاتل الدنيا لحماية أعينهم من لحظة دمع ثخين !!
نحن نفعل الشر ولانتوقف عن فعله بل نسعى له ونكره أن يحجب عنا حتى لو لم نرتكبه أبداً لكن يظل يراودنا حيناً ونراوده نحن حيناً
نفعله بإرادة ونندم عليه بإرادة أكبر ونهرب منه بصدق ونسعى لإرضاء الحبيب ويؤلمنا ألا نؤلمه ولو مرة
نحن طيبون جداً وأشرار للغاية !!
ذات مرة سألنى صديقى المخلص (فرانسى) قال لى نورالدين حدثنى عن الخير والشر من أين يأتى ؟
وكنت وقتها فى سجال محتدم معه حول الشريعة وفلسفتها فكدت أقول له ما هذا الذى تقول أيها العلمانى المسكين هل هذا سؤال تسأله لمثلى أنا من شربت الفلسفة ورضعتها رضاعةً أتحسب أن يعيينى سؤالك المهتريء ؟
ومر شهر وشهور وعام كامل ولم أقدم له جواب وكلما وقفت مع نفسى وأتذكر فرانسى الشرير الذى يريد أن يغوينا أقول يا إلهى هذا سؤال جد صعب وجد عسيرة إجابته
الخير والشر هما المسافة بين فتح آدم لعينيه ونفخ إسرافيل فى الصور لإعلان يوم البعث الأخير
يالك من صديق شرير يافرانسى أتريدنى أن أقدم لك ملخص الوجود فى مقال أو كتاب أو خاطرة ؟!!
لازلت أبحث داخل نفسى وداخل آدم لأجيب لماذا نفعل الشر ونأكل من الشجرة ونحن ندرك أنها حسرة وليست شجرة
ثم لماذا نحب الخير ونسعى لرضى الحبيب ونندم على إيذاء نفسه وأيهما أشد سطوة على أنفسنا من صاحبه الخير أم الشر؟!
لازلت أراك يا آدم المسكين وأنت واقف على أعتاب الشجرة تكرهها من كل قلبك لأنها تغويك عن طاعة الحبيب وتريدها من كل قلبك لأنك تحب كسر القاعدة وفتح العلبة وتحسس الجدار وشم الإناء وكشف المخبوء لأنك تريد ماليس لك دوماً
تريده وأنت تركب سيارة فارهه ثم تحلم بسيارة أرفع قدراً تريده وأنت تأكل من طبق أمامك ثم تزعق أين طبق كذا تريده وأنت تبحث عن نفسك فى الغد وتنسى ذاتك فى اليوم تريده وأنت ترمق المستقبل ولاتنشغل بالحاضر ولايمثل لك الحاضر إلى مطية لمستقبل لم يأت بعد وعندما يأت المستقبل تحيله هو الآخر لمطية لما بعده أنت دوماً تبحث عن كل مالم يحدث بعد
أنت دوماً تبحث عن كل ماليس هنا
ستظل تأكل ياآدم من الشجرة وستظل تندم وتبكى بصدق حارق (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخسرين)
والعجيب الغريب أن حبيبك يدرك سرك
نعم يدرك سرك يا آدم فعندما قالت له الملائكة الطيبون لماذا تخلق من يسفك الدماء ويفسد فى الأرض أجابهم إجابة المحب المدافع عن حبيب يعلم أن الخير فى جوهره فقال لهم ( إنى أعلم مالاتعلمون) !!
بحثت كثيراً جداً فى كل التفاسير ماهو ذاك الذى يعلمه الحبيب الأكبر وقال لملائكته أنه يعلمه فلم أجد جواب
ترى ماذا تعلم ياحبيب عن أبى آدم وعنى فدافعت عن خطيئته وخطيئتى دافعت عنه وعنى جملة لم نفهم سرها إلى اليوم وربما لن نفهمه أبداً فأنت لم تجب عن سؤال الملائكة ياحبيب أنت فقط قلت أنك تعلم شيئاً لايعلمونه
نعم أنت تعلم
ونعم هم لايعلمونه
لأنك لم تخلقه عبداً بل خلقته حبيباً وبين الحبيبين سر سرمدى دائم لايعرفه إلا الحبيب والمحبوب
يعرف أنه حين يخطيء فإنه لايكون وقتها بعيد عن حبه بل يعصاه وهو عاشق
وحين يرجع لايرجع رجوعاً عن المعصية بل رجوعاً للحب
ليس بين الحبيبين إلا حب يدركانه فى سر بعيد وغور سحيق حتى الخير والشر لايقدران عن محو حب بين حبيبين له سر قديم لايعلمه أحد
وإذا سألهم الناس أو حتى الملائكة قال :
إنى أعلم مالاتعلمون





