الجمعة، 23 مارس، 2012

القسوة .. والفسوق


تلى الإمام آى الكتاب بصوت له شجن تسرب الصدق من قلبه لقلبى وشعرت كلمات الرحمن تنساب بين عروقى كماء يسقى أرضاً تشققت بالعطش .. الحمد لله أن لنا رباً كريماً نلجأ له حين المحن 
الحمد لله أن لنا ربا شفوقاً يرحم ضعفنا عند الندم
ياااا حسرة الملاحدة  لاطريق لهم ولاسبيل أمامهم إلا أن يقتلوا أنفسهم حين تنزل بهم النوازل 
اللهم إنى أشكرك أنك أنت الله أيها الطيب الجميل 
إن أعظم نعمة فى ماكان وما لم يكن وما سيكون أن الله هو الله


خرجت من صلاة الفجر وما أن انتعلت حذائى ومشيت بضع خطوات حتى رأيت امرأة بين خيوط الظلمة والنور تتهادى 
لفت نظرى خروجها فى هذا الوقت بُعيد صلاة الفجر مباشرة .. جلبابها الأسود البسيط وهيئتها تشى بغير مواربة بأنها امرأة فقيرة 
لكن وجهها كان سعيداً 
تحتضن صحبة من الزهور وبخبرتى بعالم الزهر استطيع أن اقول انها زهور رخيصة جداً .. لكنها جميلة جدا وغالية جداً 
وفوق رأسها تحمل كيساً شفافاً يظهر من خلاله عدد من الكعك .. أو ما كنا نسميه ونحن صغاراً (قرص القرافة)
القصة واضحة هى امرأة ذاهبة لزيارة القبور 
لكن لماذا تلك السعادة البادية على وجهها ولماذا كانت تحتضن تلك الزهور بهذه الطريقة الحميمة أقسم لكم إنى لا أسعى إلى نقل صورة أجملها وأوشيها كأديب يتقن أن يفعل مايشاء لاوالذى سجدت بين يديه بل هذا مارأيت حقاً وتسرب لنفسى .. كان مشهداً بسيطاً عميقاً


لولا الخجل وأنى سأبدو سخيفاً جداً لما ترددت فى سؤالها من هذا المحظوظ تحت التراب الذى انت ماضية اليه بهذا الزهر الطيب
لكن لم يكن الأمر يحتاج لسؤال فقد استقر فى نفسى انها ارملة ذاهبة لزيارة قبر الزوج .. إنه موعد حب
فإن السعادة التى كانت بين عينيها لايحيكها إلا مخيط العشق وليس شيء يسعد قلب المرأة فى هذا الوجود مثل لقاء الحبيب حتى لو كان تحت التراب 


أنا لم ألمحها إلا لبضع ثوان فى المسافة بين خروجى من المسجد وتجاوزها لكن دارت بعقلى كل تلك الأفكار وأنا فى طريقى لشراء علبة سجائر صباحية واثناء عودتى للمنزل ..كل  تلك الفترة وأنا غارق بأفكارى التى لاتنتهى ابداً


وسألت نفسى ترى هل ذاك العاشق الموعود تحت التراب كان ملاكاً .. تُراه كان رجلاً من عطر.. كان زوجاً فى حجم زهرة .. هل هو من ذاك النوع الذى لايخطيء ابداً ؟!
قطعاً الإجابة بلا .. 
فمن هذا الذى خطى فوق تلك المستديرة ولم يخطيء ؟
قطعاً كان بينهما شقاق وخناق وواقع مر المذاق وتشاحن وتضارب .. لكن حتماً كان بينهما ذاك السر الكبير كان بينهما حــب
ذاك الجميل الذى حين يصدق يمر العاشقان فوق جسره آمنين من كل المهالك بينهما رحمة ..
لابد أنها تتذكر دوماً اخطاءها بحقه وغفرانه لها فلا شيء يزيد الحب فى القلب مثل الرحمة ولاشيء ينزعه مثل القسوة 
فبقى الحب صامداً ولم يحول أى شيء بين قلبين أحدهما تحت التراب والآخر يحتضن باقة من ورد فقير 


وتذكرت آية رددها الإمام اثناء الصلاة ( إن الله لايهدى القوم الفاسقين)  تأملت كثيراً فى قول الله هذا .. ولماذا الفاسقين تحديداً 
لأن الفسق ليس زلة يقع بها الإنسان بل هى نفسه وقد استحالت حيواناً بل وأحط من الحيوان 
إن الله لم يصف الزناة بأنهم فاسقين  لكن وصف من رمى امرأة فى شرفها بأنه فاسق
لأن الذى يهتك شرف امرأة ذات شهوة فهو انسان مخطيء وقد يندم ويتوب على جريمته فتصير سبيل نجاة وطريق هدى أما الذى رمى امرأة بالكذب فهو انسان سقطت منه إنسانيته لأنه إنسان بلا رحمة .. فليس شيء أشد قسوة فى الوجود من رمى امرأة طاهرة فى شرفها بغير إثم ارتكتبه .. نعم هذا هو السر فالرامى القاذف لم تخالط قلبه الرحمة ولا قيد أنملة حين فعل فعلته الشنعاء وصدر كل هذا الالم الرهيب بفريته وكذبه لطاهرة بريئة  لذا استحق وصفه بالفاسق !!


وتذكرت تلك الصديقة التى حكت لى قصة حب بل قصة كذب 
عندما قدمت لأحدهم كل شيء حتى كادت أن تمنحه حياتها ثمناً لحياته وذات قسوةٍ بالغة وساعةٍ فاصلة وقف أمامها بوجه جحود وقلب خالٍ من الرحمة وقذفها بجملة فاسقة الكذب وفاسقة القسوة أيضاً :
 ( أنت لم تفعلى لى أى شيء)
 فكانت جملته أعلى صوتاً وأشنع وقعاً من كل قبائحه وجرائمه إنه فاسق نعم إنه فاسق .. والفاسقين بعيدون كل البعد عن النجاة لأنهم لم يخطئوا كبشر بل فقدوا بشريتهم أصلاً وسقطت آدميتهم إبتداءً 




لأن الطيبون ليسوا أفراداً بلا خطايا
لكنهم رجال يندمون حين الخطأ ويبكون حين الألم ويرون عذاب الآخرين عذاباً لهم هولاء هم الطيبون ..
 أما الفاسقون فهم قساة القلوب 
رُب امريء لم يقترف ذنباً قط لكنه فاسق القلب لأنه لايرحم حين يحين موعد الرحمة ورب انسان غارق فى خطيئته لكنه قدسى القلب ولكم فى قصة العاهر آية:
 ( إن الله غفر لعاهر وأدخلها الجنة لأنها سقت كلباً حين ظمأ .. وأدخل امرأة النار لأنها حبست قطة لاهى أطعمتها ولاهى تركتها تاكل من خشاش الأرض)
 ألم أقل لكم هل فهمتم هل صدقتم ؟
فتشوا عن الرحمة تجدون الإيمان الحق .. فتشوا عن القسوة تجدون الفسق قابعاً خلف وجهها الجحود .


ربما لهذا كرهت جداا الجنود  القساة فى سورية الحبيبة ليس لأنهم يقتلون الابرياء فحسب .. لكن لأنهم يفعلون ذلك بقسوة خسيسة إن الذى يضع حذاءاً فوق عنق عجوز ويسلخ طفلاً فهو ليس عدو بل هو ليس بإنسان أصلاً
القسوة شيء بشع .. بالغ البشاعة
قاتل الله القساة