الأربعاء، 1 مايو، 2013

الحضرة والكنـز


(أهلاً رفاق القلم : الحضرة والكنز قصة قصيرة قد ترون أن الصورة غير مناسبة للقصة لكننى شعرت بها .. واعتقد ان الشعور جدير بالاتباع)

""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""

ولأنه دوماً أسير الناى ،كان يطرب للشجن وتتمايل روحه قبل جسده فى مجالس الوجد الصوفية الخالصة بتلك(الحضرة) اسفل البيت القديم المتداعية جدرانه يتمايل مع همهمات الذكر التى تبدأ باسم الجليل كاملاً (الله) ثم تنتهى حين ينتهى الذوبان بـ (أه) وحيناً تصلُ لـ (أح) هل الذكر يحرق الأرواح فنقول أح .. أم تراها لفرط اللذة ؟!
الحضرة لازالت تناديه ورئيسها الأعمى الشيخ (عبد الحكيم الريس) بجسده الضخم ووجهه الجميل كالبدر المشرب بحمرة تحيط به لحية بيضاء عظيمة تغطى نصف صدره وتعلوه عمامة بيضاء تدور حول نفسها متناغمة مع حركة الكون الدوّار ، لازالت تلك الحضرةُ حاضراً صوتها ولازال ذاك الشيخ يناديه من قبره أن عُد أيها الولد .
لكنه لازال أسير حزنه والناى 
فرّ من الحضرة وهو ابن العاشرة وماعاد لها قط ، وأتقن لعبة (الغوماية) حتى لايمسكه الشيخ ، فتارة ينخرط فى جماعات القتلة وسفاكى الدماء وتارة يعربد بين السكارى يصيد النساء ، كأنه يدرك أن الفرار من الحضرة لايكون إلا بقتل ونهش وغصب ، كأنما يؤكد موته إذ عافى الحياة 

مؤمنة بالعشق تسير باسمة وجراحها تنز ، تعطف وتجود وتخاف وتنكمش ، فكم لسعها العشق بوخز إبره وسفك دمها ، سامحت كل من عبر بجسدها ولم تلمه ولم تلم نفسها فالذئب لايُلام على النهش والحمل لايلام على البراءة وكلٌ ميسر لما خُـلق له !
هى فقط لم تصادف حظها السعيد الذى سيأتى ولاشك فى النهاية ، هكذا كان دوماً إيمانها العميق .!
لكنما تتابع الضربات وتوالى الصفع يمحو من العين ترقرق الرحمات ويزرع فيهما أظفار تنطق بالحكم أن الجروح قصاص ، كان يؤلمها أن ترى جلدها دامياً لفرط ماأعملت فيه سكين الغضب لتمحو أثر لعاب الكلاب ولتترك الندبات راية محذرة لكل من يقترب : إحذر فأنامدربة على مصارعة كل ذى ظفر وناب !!
ويالطاهرة البتول بل هى كانت وليمة لآكلى لحم القلوب !
حتى ذاك الذى ترك نطفته برحمها ورحل ككل وغد فى كل قصة مهترءة ركيكة محفوظة لم تحاول أن تجهض بذرته وهى التى تحتقر أباه لأنها ماكانت لتقتل يوماً حياة .. ولكم بكت حين رأت خيوط الدم بين فخذيها مخبرة عن سقوط طفل الخديعة وابن الغدر الذى لم يجنى من الدنيا شيئاً لكن جنى على أمه يوماً أبوه .
لم تحزن على تغير عاشق آخرٍ عشقته وأسلمته الروح وماحواها فأرضعته كطفلها وخبئته بين الشق والرحم كجنين الحياه وسالت له روحها ماء حنين وفاضت عليه من البسمات والرحمات ، لكنه تغير عليها بعدما خوت خزائنها .. تغير ولم تلحظ يوماً أنه لايغار وأدركت بعدما انطلق القطار أن الذى لايغار ماسهر فى العشق ليلة وما حار 
ولازال صوت العشق يناديها فتحبو نحوه ولاتفر والجسد يضج بكل الجراحات والروح ثكلى والقلب يتيم لكنها لاتتنكب عن صوت النداء 

عاد من كل جولاته ، دوماً يعود فى الليل ، آآخر الليل حين ينزل وجه الضباب ليحجب وجه الوجود وتكف الكلاب عن العواء وتختفى النجمات من سقف الأفق حينها يعود ليدق الباب .. وقبل أن يصل إليه يسمع صرير الأقفال وتكات الإغلاق وقد احكمت فيقرع ويقرع حتى تتهدل الكف وتتهاوى خيالات الأمل ويمتشق اليأس فوق فرس الشماتة ناظراً إليه أن عُد أيها الطريد فلا مأوى يؤيك يابن الطُرقات ..! 
يتفكر فى كلمات الصوت الهادر فى عمقه : يابن الطرقات ..
أواااه أما للمراكب من مرفأ يمنعها صفع الرياح ؟!
يبصر تلك العجوز التى تقُم الطرقات فترفع وساخات الليل لتلقى بها فى سلة المهملات 
يقترب منها ، يكاد يقوله لها : احملينى فوق مكنستك أيتها العجوز الطيبة وأرح قدمى فقد أجهدها طول المسير وأجهض أحلامها بؤس المصير !
ماابأسه من مسكين حين يحلم بمعانقة المزابل لترحمه من لوعة الحيرة ودروب التيه التى لاتنتهى .
عَشِقْ .. فملأ النور فم الظلام حتى تحطمت جدر العتمات وتساقطت أوراق الليل العجفاء لتثمر ثمرات لها طلع نضيد ووجه بهيج ، ماعادت الطرقات تجلده ولاصوت الحضرة يغويه والشيخ الأعمى ضرب البُكم صوته فما عاد من جوف القبر يناديه، فقد كفتْ كفُ العشق عن روحه يدَ الأوجاع .. فتبسم 
لكنما اللوح المسطور والعهد المقطوع قد أقسم بالشقاء على روحه .. فسقط آدم فيه من جديد وضجت روحه بقيد المعشوق وتمرد عليه وقال خُلقت من رياح فكيف تحبسنى بين الجدران ولو كانت جدران عشق ممردة بالجوهر والآلى ؟..ففر من العشق
 صوت الغواية يحدوه والطريق له سلطان على روحه لايملك له دفعاً .. فدفع الحبيب وضرب الباب وولّى 
عاد إلى الطريق .. وعاد صوت الحضرة والأعمى 



لازالت تعشق الأزهار ولاتقطفها ، تحب العصافير ولاتحبسها ،روحاً مفعمة بتقديس الحياة والحب غايتها ..
 ليس الحرمان ألاتأخذ بل الحرمان ألا تمنح !
قلبها مثقل بالحب والعطاء ، ويوجعها أن كل من صادفت بدرب الحب كان قاطع طريق ،يسلبها وينشلها فكان حبها منهوباً مفقوداً ، هى تبحث عن يتيم مثلها جائع للحب لتعطيه وتزيد له الكيل ، تسجد للقدوس فى عشق : ياإلهى امنحنى قلب إنسان افرغ فيه قلبى فقد أجهدنى مواراة كنزى عن الشُطّار

إلتقيا تحت الشمس ، لم تكن تعرفه ولم يكن يعرفها ، لم تعرف سر الحضرة التى تغويه ولكن أدركت أنه اسير المسير الطويل ، لم يكن يعرف أنها مجروحة الكنز المنهوب ،لكن أدرك أنها تحمل المصباح فى وضح النهار لتفتش عن إنسان 
عشقها بغير بوح وعشقته فتقدمت نحوه وقالت : تعال أيها اليتيم وأبكِ على صدرى 
تعانقا حتى احتضرت الآلآم .. وهطلت سحابات الخيبة وتكشفت السماء عن وجه جميل 
أدرك سر الوجد فيها ،وفيه رأت آدم المسكين 
منحها رقصة الصوفى القديمة ففتحت له أبواب اسرار الله فيها وأدخلته إلى فضاء الرضى 
وقالت ياحبيبى ياصغيرى وياولدى الجميل .. لو بقيت عندى لماشبعت منك الدهر ولاأشبعتك من عسلى وخمرى ،فخذ قلبى وعد للوعد الموعود .!
إدرك أنها كانت اشارة الطريق وكانت الطريق .. فعاد إلى الحضرة من جديد
كبُر حتى بلغ السبعين وتوارى بصره فما عاد يرى غير وجه الله ووجه المعشوق
وصارت لحيته تغطى نصف صدره كشيخه القديم والعاشقون من حوله يرددون اسم الجليل (الله) حتى يضرب الوجد الأرواح فيصير (أه) فتطير القلوب إلى العرش العظيم فتصيبها سكرة اللذات العامرات فتصير الآه (أح)
وهو يبتسم وقلبه بين الروح والريحان يردد:

يامن أنا بك .. ويامن أنت فـيَّ
روحى شرودٌ ..وجسدى غربتى 
فمتى تأتى بـى إلـيَّ